عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

365

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وهذا كله دليل واضح على اهتمام الملوك الأيوبين بالدراسات الدينية وتشجيع العلم والعلماء . ولم ينس السلطان الأيوبي في غمرة الكفاح والجهاد في سبيل نصرة العرب على الفرنج أن يصرف عناية حاصة إلى بناء المشافي في كافة أنحاء البلاد العربية ، ولم يؤثر في ذلك إقليما دون آخر ، فامتدت اصلاحاته إلى الشام والجزيرة واليمن ، وكان من أهم المشافي التي أشادها مشفى يسمى « المارستان » أنشأه بمدينة القاهرة . وإذا نحن قارنا بعد هذا العرض السريع للاصلاحات التي قام بها صلاح الدين بين مظاهر الحياة في عهد الفاطميين وما آلت اليه في عصر الأيوبيين فإننا نجد البون شاسعا . لقد عرف الفاطميون البذخ بصورة زاهية براقة ، وكانت حياتهم مسرفة في الترف والرفاهية والثراء والأبهة ، كما رأينا في قصورهم الفخمة ، وأعيادهم الكثيرة ومواكبهم واحتفالاتهم وما كان يرافق ذلك كله من أطعمة وأسمطة عامرة بمختلف الألوان والأنواع . الزهد والتقشف : لقد تجنب الأيوبيون وحاكمهم صلاح الدين بخاصة ذلك البذخ . وفي حين رأينا « خمارويه » في الدولة الطولونية يشيد « بيت الذهب » وينفق أموالا طائلة في حفلة زفاف ابنته « قطر الندى » من المعتضد الخليفة العباسي ، فإننا نجد أن السلطان صلاح الدين يتزوج من السيدة « عصمة الدين خاتون » بنت الأمير أنر ، زوجة الملك العادل نور الدين محمود ، وكانت تقيم بعد وفاته في منزلها بقلعة دمشق « رفيعة القدر ، مستقلة بأمرها ، كثيرة الصدقات ، والأعمال الصالحات ، فأراد السلطان حفظ حرمتها ، وصيانتها وعصمتها ، فتزوجها بحضور أخيها لأبيها سعد الدين مسعود بن أنر « 1 » دون أن تشير المصادر إلى أي لون من ألوان البذخ التي كانت منتشرة في عهد الطولونيين والاخشيديين والفاطميين . ولم يقم لذلك حفلا أو وليمة . وفي الواقع لم يكن السلطان الأيوبي ممن يعنى بهذه الأبهة والمظاهر الزائفة بل كان

--> ( 1 ) كتاب الروضتين : ج 2 ، ص 676 ، وانظر النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 78 .